منذ انتهاء الجولة السابعة من المفاوضات ال​لبنان​ية-ال​إسرائيل​ية في روما في 6 آب، لم يستقر موعد الجولة التالية. ففي أواخر آب، كان الترجيح يتجه إلى أيلول، ثم برز الحديث عن نصفه الثاني، قبل أن تنقل مصادر سياسية في منتصف الشهر أن جولة كانت متوقعة في الثلث الأخير منه أُرجئت إلى النصف الأول من ​تشرين الأول​، مع ترجيح أسبوعه الأول. واليوم، تتحدث مصادر رسمية عن موعد مبدئي في النصف الثاني من تشرين الأول.

ليست هذه مواعيد رسمية أُعلنت تباعًا ثم أُلغيت، وإنما تقديرات ومواعيد محتملة نقلتها مصادر سياسية ورسمية، لكنها تكشف أن الجولة الثامنة بقيت منذ أسابيع تبحث عن موعد ثابت، من دون أن تستقرّ عليه. وتكتسب هذه المواعيد المتحركة أهميتها من طبيعة الاتفاق نفسه. ف​اتفاق الإطار​ الثلاثي الذي وقّعته ​الولايات المتحدة​ ولبنان وإسرائيل في واشنطن في 26 حزيران لم يضع تسوية تُنفذ دفعة واحدة، بقدر ما رسم عملية "متبادلة ومتسلسلة".

كان يفترض أن تبدأ هذه العملية في منطقتين تجريبيتين وتتقدم خطوة بعد أخرى، عبر انتشار ​الجيش اللبناني​ وإعادة ​الانتشار الإسرائيلي​ والتحقق من تنفيذ الالتزامات المتفق عليها. أما تفاصيل تطبيق هذه الصيغة وآليات بدء التنفيذ، فانتقلت لاحقًا إلى ​جولة روما​ ومحادثات المتابعة. لذلك فإنّ تأخير الجولة التالية لا يصنّف على أنه مجرد تأخير لاجتماع، لأنّ كل مرحلة من التنفيذ تحتاج عمليًا إلى تفاهم يسمح بالانتقال إلى ما بعدها، فيما لا يتضمن النص المنشور رزنامة شاملة تفرض هذا الانتقال تلقائيًا في موعد معلوم.

انطلاقًا من ذلك، يتجاوز السؤال ما يستطيع كل طرف تحضيره بين جولتين إلى أثر الوقت نفسه في مسار التنفيذ. فإذا كان الانتقال من مرحلة إلى أخرى يحتاج في كل مرة إلى تفاهم جديد، فإن إطالة الفاصل بين الجولات لا تؤخر المفاوضات وحدها، وإنما تؤخر الخطوة التالية التي بُني الاتفاق على أساسها. فهل يستطيع اتفاق يقوم على التدرج أن يحافظ على زخمه حين يبقى موعد كل خطوة جديدة رهينة تفاوض جديد؟

اتفاق يحدد التسلسل أكثر مما يحدد الساعة

يقوم اتفاق الإطار على ربط مجموعة خطوات متتابعة بعضها ببعض، بحيث يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية تدريجيًا في مناطق تجريبية، ثمّ يجري التحقق من النتائج، مقابل إعادة انتشار إسرائيلية مرحلية. وبعد إنجاز هذه الخطوات، يُفترض الانتقال إلى مناطق أخرى بالتوافق بين الأطراف. وبهذا، لم يضع الاتفاق تسوية نهائية مؤجلة التنفيذ، وإنما رسم مسارًا تدريجيًا لتحويل التفاهم السياسي إلى خطوات ميدانية.

لكن هذه البنية تحمل في داخلها نقطة حساسة. فالانتقال إلى مناطق جديدة ليس نتيجة آلية لإنجاز المنطقة السابقة، كما أنّ تفاصيل التحقق والانسحاب والانتشار تحتاج بدورها إلى ترتيبات واتفاقات تنفيذية. وقد ظهرت هذه المسألة في جولة روما السادسة، حين انصب البحث على تحديد المنطقتين التجريبيتين وتوقيت بدء التنفيذ وجدول الانسحاب. لذلك، فإن بقاء اتفاق الإطار قائمًا لا يضمن وحده انتظام خطوات تنفيذه.

حتى الملحق الأمني الذي دار حوله نقاش واسع لم ينهِ هذه الإشكالية. فالملحق لم يكن معلنًا رسميًا عند بدء التنفيذ، فيما تحدثت تقارير عن نسخة متداولة تتضمن تفاصيل أكثر دقة للمراحل وآليات التحقق. لكن ما ظهر عمليًا خلال الأشهر التالية هو أن الانتقال بين المراحل بقي يحتاج في كلّ مرة إلى تفاوض جديد، لا إلى مجرد حلول موعد محدد سلفًا.

موعد يتحرك منذ أسابيع

هنا تصبح قصة الجولة الثامنة أكثر من مسألة تنظيمية. فبعدما تنقلت التقديرات منذ أواخر آب بين مواعيد مختلفة، انتهى الأمر إلى ترجيح النصف الثاني من تشرين الأول، من دون إعلان موعد نهائي حتى الآن.

لا يعني هذا التسلسل أن مسارًا من المواعيد الرسمية انهار الواحد تلو الآخر، لكنه يكشف صعوبة تثبيت الجولة التي يفترض أن تدفع التنفيذ إلى مرحلته التالية، في وقت توحي بعض المعطيات بأنّ الطرفين يستخدمان الوقت للتمسك بشروط يريانها ضرورية قبل العودة إلى الطاولة. فقد نقلت مصادر صحافية عن مصدر سياسي رفيع المستوى أن لبنان يرفض الذهاب إلى التفاوض مع استمرار الاعتداءات​الإسرائيلية​، في وقت يبدو أنّ إسرائيل متمسكة برفضهاالبحث في مناطق نموذجية جديدة ونوعية.

الانتظار لا يجمّد الوضع القائم

لكن الانتظار لا يؤخر موعد الجولة فقط. فكلما تأخر الاتفاق على منطقة تجريبية جديدة، تأخر الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش فيها، بينما تستمر العمليات الميدانية ويبقى الوضع القائم على حاله. لذلك تكتسب الأسابيع الفاصلة بين الجولات وزنًا أكبر مما يوحي به مجرد تأخير الموعد.

وهذا ما يفسر حضور عامل الوقت في التحرك اللبناني الأخير في واشنطن. فبحسب مصدر لبناني مواكب للقاءات رئيس الحكومة ​نواف سلام​، شمل البحث مع وزير الخارجية الأميركي ​ماركو روبيو​ استئناف الجولة الثامنة كي لا تبقى معلقة إلى ما بعد انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول، إلى جانب تفعيل آلية التحقق وتوسيع المنطقة التجريبية على نحو يسمح بانتشار الجيش تدريجيًا في البلدات التي تنسحب منها إسرائيل.

ولا يعني ذلك أن كل تأخير ينتج تلقائيًا واقعًا جديدًا أو يثبت نية طرف في تكريسه. لكنه يجعل الفاصل الزمني نفسه ذا أثر سياسي وميداني: الاتفاق يريد تغيير وضع قائم بالتدرج، وكل مرحلة لا تبدأ تبقي الوضع السابق مدة أطول.

هل تتغير وظيفة الجولة الثامنة؟

في هذا السياق، تكتسب الصيغة التي يجري التداول بها للجولة المقبلة أهمية خاصة، خصوصًا بعد المعلومات الصحافية عن مساعٍ أميركية لعقدها في فلوريدا خلال النصف الثاني من تشرين الأول، على المستوى العسكري اللبناني–الإسرائيلي وبرعاية أميركية، مع حضور رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم. غير أنّ هذا التصور لم يُعلَن رسميًا بعد، فيما تستمر الاتصالات لتثبيت الموعد.

إذا ثبتت هذه الصيغة، يصبح السؤال متعلقًا بوظيفة الجولة أكثر من موعدها أو مكانها. فإعطاؤها طابعًا عسكريًا–تقنيًا قد يعيد النقاش مباشرة إلى ما يتوقف عليه التنفيذ، أيالتحقق، وتوسيع المناطق التجريبية، والتلازم بين انتشار الجيش وإعادة الانتشار الإسرائيلية، والخطوات التي يمكن قياسها ميدانيًا.

عندها قد لا تكون الجولة الثامنة محطة لحسم الخلاف السياسي الأوسع، وإنما اختبارًا لقدرة الاتفاق على إبقاء مساره التنفيذي حيًا عندما تتباطأ القرارات السياسية. فإذا أنتجت تفاهمًا على منطقة جديدة أو آلية قابلة للتطبيق، تكون قد أعادت وصل مرحلة بأخرى. أما إذا عادت إلى الشروط نفسها، فسيتأكد أن كل خطوة جديدة تحتاج إلى تفاوض مستقل لإطلاقها.

من ضمان الاتفاق إلى ضمان إيقاعه

استطاع اتفاق 26 حزيران أن يضع مسارًا لم يكن موجودًا قبل توقيعه: مراحل مترابطة، ومناطق تجريبية، وانتشار للجيش يقابله انسحاب إسرائيلي، ضمن عملية يفترض أن تتوسع تدريجيًا. لكن تجربة الأسابيع الأخيرة أظهرت أن وجود المسار لا يكفي وحده لضمان الحركة عليه.

ومن هنا قد لا يكون الاختبار المقبل في بقاء اتفاق الإطار قائمًا، فالأطراف لا تزال تتعامل معه بوصفه مرجعية للمفاوضات، وإنما في قدرته على إنتاج مرحلة جديدة ضمن إيقاع يمكن توقعه. فالاتفاق القائم على التدرج يحتاج بطبيعته إلى وقت، لكن كلما اتسعت الفواصل بين مراحله، طال عمر الوضع المؤقت الذي كان يفترض أن تليه خطوة جديدة.

بعد أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع الاتفاق، لا تكمن المشكلة في غياب الطريق إلى الخطوة التالية، وإنما في أن الوصول إليها لا يزال يحتاج في كل مرة إلى تفاهم جديد وموعد جديد. وكلما طال انتظار هذا الموعد، ازدادت صعوبة التعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مجرد محطة مؤقتة في مسار يفترض أن يتقدم.